ابن عجيبة
229
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
سورة القصص مكية ؛ إلا قوله : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ . . الآية « 1 » . وهي ثمان وثمانون آية . ومناسبتها لما قبلها : قوله : وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ « 2 » ، مع قوله : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ؛ فإنه عين القرآن المتلو . وقيل : وجه المناسبة : قوله : سَيُرِيكُمْ آياتِهِ « 3 » ، مع قوله : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ ؛ فإن تنزيل الكتاب من أعظم الآيات . وافتتح بالرموز التي يستعملها بينه وبين حبيبه ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم ( 1 ) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 3 ) يقول الحق جل جلاله : طسم ، إما مختصرة من أسماء اللّه تعالى ، أقسم على حقّية كتابه ، وما يتلى فيه ، كأنها مختصرة من طهارته - أي : تنزيهه - وسيادته ، ومجده ، أو : من أسماء رسوله - وهو الأظهر - أي : أيها الطاهر السيد المجيد تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ ، إما من بان ، أو : أبان ، أي : بيّن خيره وبركته ، أو : مبين للحلال والحرام ، والوعد والوعيد ، والإخلاص والتوحيد ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ أي : بعض خبرهما العجيب . قال القشيري : كرّر الحقّ قصة موسى ؛ تعجيبا بشأنه ، وتعظيما لأمره ، ثم زيادة في البيان لبلاغة القرآن ، ثم أفاد زوائد من الذكر في كل موضع يكرره . ه . هذا مع الإشارة إلى نصر المستضعفين ، والامتنان عليهم بالظفر والتمكين ، ففيه تسلية لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ووعد جميل له ولأمته . وقوله : بِالْحَقِّ : حال من فاعل نَتْلُوا ، أو : من مفعوله ، أو : صفة لمصدر محذوف ، أي : ملتبسين ، أو : ملتبسا بالحق ، أو : تلاوة ملتبسة بالحق . لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ؛ لمن سبق في علمنا أنه يؤمن ؛ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء دون غيرهم ، فهو متعلق بنتلوا . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : تقديم هذه الرموز ، قبل سرد القصص ، إشارة إلى أنه لا ينتفع بها كل الانتفاع حتى يتطهر سره ، ويلقى سمعه ، وهو شهيد ، فحينئذ يكون طاهرا سيدا مجيدا ، ينتفع بكل شئ ، ويزيد إلى اللّه بكل شئ . ولذلك خص تلاوة قصص موسى بأهل الإيمان الحقيقي ؛ لأنهم هم أهل الاعتبار والاستبصار . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) الآية 8 ونزلت بالجحفة بين مكة والمدينة . انظر تفسير ابن كثير ( 3 / 402 - 403 ) . ( 2 ) الآية 92 من سورة النمل . ( 3 ) من الآية الأخيرة من سورة النمل .